مسيرة الشيخ خالد محمود البقار
الاسم:
خالد محمود البقار
وُلِدت في القُبَّة بمدينة طرابلس لُبنان, في 1/تموز-يوليو/1973م.
تَربَّيْت في بيتٍ مُتَديِّنٍ مَبْنيٍّ على القِيَمِ والمَبادئ الإسلامية, ومُتَأصٍّل بالمروءةِ والعَاداتِ والأعرافِ العربيَّة الأصيلة, ومُتَشَرِّباً بالفتُوَّة والغيرةِ العَشائريَّة النَّبيلة.
طَلَبْتُ العُلوم الشَّرعِيَّة مُنذ صِغري, ونَشَأتُ في بيتٍ مُحِبٍّ للعلم, وكانَ فيه مَكتبة غَنيَّة بِشتَّى فنون الكُتُب الشرعية التي كانت نادِرة وقتذاك.
وكان لهذه المكتبة الأثر البارِز في تَحصيل المعلوماتِ من مصادرها الأصلية, وسهولة الاطلاع على المراجع والأمَّهات التَّأليفية, مما زادَ في السَّعة المعرفية, والغنى في المادَّةِ البَحْثيَّة.
مسيرتي
- بيتنا:
كانت المواضيع في بيتنا تدور حول الإسلام وشَخصيَّاته وتاريخه وحضارته, وهذا شَكَّل في داخلي نواةً ومَلَكَة مَعرفية, وسعة فقهيَّة, ساعدت في بناء الشَّخصيَّة الإسلامية المتوازنة فِقها وعقيدة وتربية.
- الوالدُ القُدوة:
كان والدي من حَمَلةِ كتاب الله, يُعلِّمه ويَحرص على تَحسين التِّلاوة للنَّاس, وتعليمهم أحكام التجويد ومخارج الحروف, بالإضافة إلى تعليم الكتابة بخطٍّ جميل.
وكان يرحمه الله لا يَتَكَسَّب بذلك, ولا يتَكَّسب بأي شيءٍ من الأمور الدينيَّة, وإنما كان كَسبه من عمل يده وكَدِّه وتضعبه.
شَكَّل الوالد الجُزء الأكبر من شخصيَّتي بِتَعلُّقه بِكتاب الله تعالى تَعَلُّق الجَسدِ بالرُّوح, مما مَيَّزه بِجمال التِّلاوة إتقانا وإبداعاً, وتصويراً بِحُسنِ اختيار الطَّبقات الصوتية والنَّغمات والمَقامات.
كان القرآن الكريم والاذكار وحب ومدح سيدنا رسول الله ﷺ ملازما له بذوق واناقة وحضور، فكلما ذكر تقاطرت دموع المحبة والشوق منه.
- التربية:
لم ترى عيني مِثل سيدي الوالد يرحمه الله أدَباً وحياءً وإخلاصاً وتَخَفِّيا, وانشغالاً بذاته عن غيره مُرَبِّيا, وحُبَّاً لسيدنا النبيr وتأسِّيا, وفتوَّةً ومُروءة ورحمة وتَرَقِّيا.
ما كانَ يَرضى أن يُغتاب في مَجلسه أحدٌ من المسلمين, وما رأيته في حياتي كلها يحمل جريدة أو مَجلَّة, أو يتكلَّم في ما لا يعنيه من الكلام الذي يخوض النَّاس فيه, وإذا كَلَّمه أحدٌ فيما لا يَعنيه يقول له: الظَّاهر ما عندك شُغل!, تَرى أنا مَشغول, روح شوف شغلك الله يرضا عليك!.
فهذه الشخصية دفعتني لأن أهْتمَّ بعملي وشُغلي, لأنَّه لا أحد ينوبُ عني في ذلك.
وكان يُعجِبه قول شيخ الإسلام حاتم الأصم, حيثُ قيل له: علام بنيتَ أَمرك؟ قَالَ: على أَربع خِصَال: علمت أَن رِزْقِي لَا يَأْكُلهُ غَيْرِي فَلم أهتم بِهِ، وَعلمت أَن عَمَلي لَا يعمله غَيْرِي فَأَنا مَشْغُول بِهِ، وَعلمت أَن الْمَوْت يأتيني بَغْتَة فَأَنا مبادره، وَعلمت أَنِّي بِعَين الله فِي كل حَال فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ.
- شَخْصِيَّاتٌ كانَ لها الأثر الكبير في مَسيرتي:
بعد شخصيَّةِ سيدي والدي, وشخصِيَّةِ والدتي المُكافحة المُصابرة أمِّ العَزائم, التي لا تَعرف في قاموسها التَّعب ولا العَجزَ ولا الكَسل رحمها الله تعالى, كان هناك شخصيَّات(من الذين توَفَّاهم الله تعالى), منها:
1: شقيقي الأكبر, فضيلة الشيخ عبد الستَّار البقار يرحمه الله تعالى.
ولكنني لم أتمتَّع بِصُحبته حيث اختار الله تعالى له الشَّهادة في سبيله من باب الجهر بالحق في وَجه سُلطان جائر, يوم صَدع بالكلمة في وجه الظُّلم البعثي للنِّظام السوري في سنة 1981م فما كان من الطُّغاة إلا مُقابلة الكلمة بالقَمْع والاخْتِطاف والتَّغييب القَسري, والمُحاكمة السِّريَّة وعدم السَّماح للوالدين ولو بلقاء واحد, أو تَسَلُّم جسَده, أو معرفة مصيره بشكل رسمي.
ولكنَّه رحمه الله ترك أثراً طيِّباً في الوسط الدَّعوي بشكل عام, وفي العائلة بِشكل خاص.
2: الشيخ الأديب الرَّبَّاني عِصام الرَّافعي الطرابلسي يرحمه الله تعالى.
وهو واحدٌ ممن غَرفت من أدَبه وتواضُعه وأخلاقه النَّبيلة, ولا أنسى ذلك اليوم الذي أتيته فيه طالباً فسألني عن اسمي, فلمَّا أعلمتهُ انكَبَّ عليَّ مُقَبِّلاً جَبيني وقائلاً : الله الله أسيادنا أبناء الحسين, أنتم بركة, والضعيف يتبرَّك بمُجالستكم!.
3: الشيخ الفقيه فيصل المولوي الطرابلسي يرحمه الله تعالى.
وهو واحدٌ ممن فَتحتُ عياني على كِتابه عندما كنت طفلاً طالباً مُشاركاً في إحدى الدَّورات الصيفيَّة الدِّينيَّة التطوعيَّة, وعند نهايتها كنت واحِداً من الطلبة الذين أهداهم الشيخ فيصل كتابه المختصر في الفقه المُسَمَّى”تيسير فقه العبادات”, وكان للشيخ علاقة خاصة ببيتنا, وبعد هذا اللقاء الأول كان التَّعلق بمنهجه العلمي الواسع, ثمَّ تَبِعَه لقاءات بعيدة من غير تواصل, وإنما مُجرَّد حُضور وسماع حتى كان لِقاء بالشيخ عندما كنت شابَّاً في العشرينات.
4: الشيخ المُقرئ محمد صلاح الدين كبارة الطرابلسي يرحمه الله تعالى.
صاحب الحِسّ الخاص بكتاب الله, وكان من أصحاب الوالد, وقد أكرمني الله تعالى بالدراسة عنده مُدَّة.
5: الشيخ المُجاهد سعيد شعبان الطرابلسي يرحمه الله تعالى.
كانت له علاقة ببيتنا بالعائلة بعيداً عن السياسة, وكنت ممن تأثَّر بحُسنِ إلقائه, وبيان خِطابه, وأناقة خطابته.
6: الشيخ المُفَكِّر فَتحي يكن الطرابلسي يرحمه الله تعالى.
كذلك كان له علاقة خاصة ببيتنا, خُصوصاً مع أخي الشيخ عبد الستَّار منذ السبعينات, وكان يَحمل في قلبه من التَّقدير ما لا يُدركُ إلا عند التَّعامل.
حيث كنت في زيارة إلى طرابلس في مَطلع سنة 2005 على ما أذكر, وذهبت لأصلي الجمعة في مَسجد الأبرار فطلب مني أحد الإداريين بإلقاء الخطبة, وإذا بأحد الإداريين كان مُتكلِّماً مع الشيخ فَتحي يكن ليخطب, ولمَّا أتى الشيخ قال له الأخ الذي كلمني بأنه ما كان على علمٍ بمجيئه وأنَّه سيعتذر مني, وأنا كنت أصلي السنَّة ولا أعرف ما يحدث عند باب المسجد, فسأله الشيخ فتحي من الذي سيخطب؟ فقال له اسمي, فقال له: الخُطبة له وأنا سأستمع.
وبالفعل صعدت المنبر وخطبتُ الجُمعة وبعد الصلاة والنَّاس تتعرَّف عليَّ, جاءني الشيخ مُسرعاً من جانب المنبر مُسلِّماً وحاضناً والدُّموع في عينيه, رحمه الله تعالى.
وبعد أن ذهب وحرارةُ التَّسليم لم تُفارقني, وكلماته وهو يدعوني لزيارته, جاءني الأخ الإداري وأخبرني بما حدث.
7- الشيخ المُحدِّث الأديب عبد الفتاح أبو غدَّة الحلبي يرحمه الله تعالى.
والذي تَعلَّقتُ بأدبه وعلمه ودِقَّةِ بحْثه وأمانة نقله, بالإضافة إلى حُسن سمّتِه وأناقة مَظْهره, ونَضارة جوهره.
8- الشيخ المُحدِّث محمود الطَّحان الحلبي يرحمه الله تعالى.
وقد أثَّر بي عندما قابلته شِدَّة تواضعه, ودِقَّة علمه وحِرصه على أمانة النَّقل, وكان لافتاً لنا وَرَعُه وعِزَّة نفسه وصَريحِ نَصِيحته.
وهناك أسماءٌ كثيرة لكوكبة من السَّادة العُلماء الذين أكرمني الله بمُجالستهم, ولا أستطيع تناولهم جميعاً في هذه السُّطور التَّعريفيَّة المُختصرة, رحمهم الله وجزاهم عنَّا خيرا.
- العِلم:
أكرمني الله تعالى مع تَحصيل العلوم الشرعيَّة بحمل إجازات مُتعدِّدَة:
في القرآن الكريم وعُلومه والتَّفسير, وفي الحديث النبوي الشريف رواية ودِراية, وفي الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده باختلاف مدارسه ومذاهبه, وفي السيرة النبويَّة والشمائل المحمَّدية, وفي التزكية علم النفس, وغيرها من العلوم والفنون.
- العمل الدَّعوة:
عملتُ في المَجالِ الدَّعوي منذ هاجرت إلى كندا – مونتريال – وتَدرجتُ حتى وقفتُ خطيباً مُتقَطِّعاً منذ سنة 1995م, وألقيت بعض الدروس الخاصَّة للشباب.
ثم كانت رِحلتي مع التَّفرُّغِ للدعوة بشكل كُلِّي ابتداءً من سنة 1998م, ومن ذلك التَّاريخ وأنا أعمل ما بين تدريس وبحثٍ وتأسيس وتأليف.
ومازِلتُ أعملُ في سلك الدعوة والتدريس والخطابة في مسجد الاعتصام بلافال- كندا -.
- رِحلتي مع التَّصنيف والتأليف والكِتابة:
شُغِفتُ مُنذُ الصِّغر بِكتابة الشِّعر المُغنَّى, فكنت أكتب ومازِلتُ إلى يومنا هذا أكتب الأشعار المُلَحَّنة في الحُبِّ الإلهي, وفي مَدحِ سيدنا النبيr, وعندي أكثر من ألفي قصيدة, ومنها قصيدة جمعتُ فيها السيرة النبوية الشريفة, وكل هذه القصائد أنشدها ولدي مُجاهد في مَجالس خاصَّة, وقريباً سأعمل على نشرِ جُزء من هذه القصائد إن شاء الله تعالى.
- الفقه الإسلامي:
كنت ومازلت مُتعلِّقاً بأمَّهات الكُتُبِ الفقهية, وكنت دائم التَّفكير بتقديم بعض هذه الكنوز للناس بصورة مُبَوَّبة مُرَتَّبَة مُيسَّرة مع بيان الدَّليل وتَخريجه, وقد عملتُ على الفقه الحنفي لأصدره بهذا الشَّكل فأتممتُ كتاب الفقه المُيسَّر بالدليل المنَوَّر, بحُلَّة فقهيَّة حَديثيَّة مُهذَّبة وكان عُمري 25عاماً, وطُبع الطَّبعة الأولى بشكلٍ رسمي عام 2004, وسُرعان ما نفدت هذه الطبعة حيث لاقت قبولاً بين طلبةِ العلم, وجاءني بشأنه طلباتٌ لترجمته إلى لُغاتٍ عِدَّة لبلاد أهلها يَتَّبعون المَذهب الحنفي الشريف.
ثمَّ طُبع الكِتاب في عِدَّة دور للنَّشر, ودُرِّس في بعض المَعاهد الشرعيَّة, والحمد لله على فضله وكرمه.
وكتبت في الفقه المُقارن عِدَّة كُتب, منها: فَصل الخِطاب في مسائل فقهية من بلاد الاغتراب, وكتاب الممتع في فقه الحج والعمرة, وحُكم الاقتراض من البنوك الربوية, وغاية المرام… وغيرها من الكُتب والبحوث.
- التَّفسير وعلوم القرآن:
جمعت كتابا في التفسير على طريقة التلقين، مشابها لتفسير الجلالين، حيث يكون معينا لطالب العلم وبعيدا عن الاسرائيليات والحشو والتطويل، معتمدا على نقل ما صح عن سيدنا رسول الله ﷺ في معنى الآية، فإن لم يوجد فما أجمع على معناه، فإن لم يوجد فأعتمد المعنى اللغوي وأترك الاقوال وكثرتها، تاركا لطالب العلم الهمة في البحث ما وراء الاصل الذي بيده إن أراد الزيادة، وإن أراد الاكتفاء ففي يده الاصل الذي يكفيه، وسميت هذا التفسير:
“لطائف النفحات في بيان معاني الآيات”.
وكذلك قمت بتبسيط وتيسير علوم القرآن لمن أراد معرفة هذا العلم ومفاتيحه، فكتبت كتابا اسميته:
“صفوة البيان فيما يحتاجه المسلم من علوم القرآن”، وقد اعتمد تدريسه في اكثر من معهد.
- في الحَديث النبوي الشَّريف:
قمتُ بشرحِ الأدب المُفرد للإمام البخاري وتحقيقه, وقمت بتحقيق وشرح كتاب الأولياء للحافظ ابن أبي الدنيا(سيطبع قريباً إن شاء الله).
كما أنني كتبت كتاباً في علوم مُصطلح الحديث, وسمَّيته” صفوة الحديث فيما يحتاجه المُسلم من علوم الحديث” وقد لاقى قبولاً بين طلبة العلم بفضل الله وكرمه.
- في السيرة النبوية الشريفة:
كان اهتمام وتساؤلات كثيرة في السيرة منذ ان كنت طفلا، واحيانا كنت اسأل عنها ولا اجد الجواب الشافي، واحيانا اخرى كان يمنعني من السؤال عنها الحرج، وبقيت اصارع الكتب بحثا وقراءة، فاجد ان الكثير مما في السيرة النبوية لا يشبه سيدنا رسول الله ﷺ، وان الذي كتبوا انما كتبوا كتابا تاريخيا لا يحمل قدر الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ، ولما اذن الله تعالى لي رحت اكتب السيرة باسلوب من يستحضر الكلام عن قدر سيدنا النبي ﷺ، وادقق الرواية لارمي ما لا يليق، وادون ما يليق بجنابه ومقامه وعصمته وقدره، فاصدرت اول كتاب بعنوان:
“هذا رسول الله الذي نحبه ﷺ”،
فكان كتابا لا يشبه اي كتاب في السيرة، لانني كتبته على غير مثال، حيث ان كل ما يسمى بالسيرة النبوية يشبه بعضه بعضا وكأنهم شيء واحد، الا بعض الكتب النفيسة كـ”الشفا” للقاضي عياض، فهذا كتاب محب.
ثم كتبت القسم الثاني من السيرة في كتاب عنوانه:
“مع سيدنا رسول الله الذي نحبه ﷺ”
ثم كتبت القسم الثالث من السيرة في كتاب عنوانه:
“في رحاب سيدنا رسول الله الذي نحبه ﷺ”
ثم كتبت القسم الرابع من السيرة في كتاب عنوانه:
“الوفود عند سيدنا رسول الله الذي نحبه ﷺ”
وهذه الكتب لا يعرف ما فيها من الكنوز المحمدية الا من قرأها، وهناك مؤلفات اخرى.
حَياة كُلٍّ مِنَّا كِتاب, وصَفَحاتُه نِعَمُ الله علينا من وَقْتٍ وأَحوَالٍ وأقوالٍ وفِعال.
والله بكَرَمِهِ أَعْطانا القَلمَ وعَلَّمنا, وأرْشدنا إلى ما يَجبُ أن نَكْتُبه, فما علينا إلا أن نَكْتُبَ كما عَلَّمنا وَدَلَّنا مولانا.
فقد خُلِقنا لنكتُبَ ما سَنَقرَؤه بين يدي الله تعالى, فاكتبْ ما يَسرُّكَ, واتْرُك ما يَضُرُّك.
وراجع كِتابك دائماً, فإن وَجدت فيه أنَّكَ كَتبتَ في صفحة ما لا يَليق أن تَقرؤه بين يدي مولاك, فَخُذ الممحاةَ وامحه
واكتُب مكانه ما يليق, بإخلاصٍ دَقيق, وخَطٍّ أَنيق, وحِسٍّ رقيق, فإنك تستطيع أن تَعودَ للكتاب طالما لَم تُسَلِّمه.
